أحمد بن محمد المقري التلمساني
28
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
الاسم الأول دونها ، ألا ترى أنك لو قلت « ظننت أنّ العقرب أشدّ لسعة من الزنبور فإذا هو » وسكتّ ، لم يتمّ الكلام أولا ، ولا أفدت بذكر المفاجأة وتعليقها بالزنبور فائدة ، وإنما المفاجأة للضمير الآخر ، فلابدّ من ذكره والاعتماد عليه ، وهذا يوجب الرفع في الخبر ؛ لأنّ الظرف له ، لا للمخبر عنه ، فهذا بيّن واضح ، والجهة الأخرى في غلطهما أنّ « إياها » معرفة ، والحال لا تكون إلّا نكرة ، فقد اجتمع في قولهما أن أتيا بحال لم يتمّ الكلام دونها ، معرفة ، والحال لا تكون إلّا بعد تمام الكلام ومع التنكير ، فقد تبيّن خطؤهما وإصابة سيبويه في لزوم الرفع في الخبر فقط . وأما من زعم عن سيبويه أنه قال « خرجت فإذا زيد قائم » بالرفع لا غير فباطل ، وكيف ينسب إليه وهو علّمنا أنّ الظرف إذا كان مستقرّا للاسم المخبر عنه نصب الخبر ، وإذا كان مستقرّا للخبر رفع الخبر ، ونحن نقول « خرجت فإذا زيد » فيتمّ الكلام ، و « نظرت فإذا الهلال طالع » فيتبعه الخبر رفعا ، كما تقول « في الدار زيد قائم ، وقائما » و « اليوم سيرك سريع ، وسريعا » ولكن الخبر إذا كان الظرف له ولم يتعلّق إلّا به لم يكن إلّا رفعا ، كقولك « اليوم زيد منطلق ، وغدا عمرو خارج » ؛ لأنّ الظرف لا يكون مستقرّا للاسم المخبر عنه إذا كان زمانا ، والمخبر عنه جثّة ، وكذلك المفاجأة إذا كانت للخبر لم يكن إلّا مرفوعا ، معرفة كان أو نكرة ، فإذا كانت للمخبر عنه والخبر نكرة انتصب على الحال ، فجرى قولك « ظننت أنّ العقرب أشدّ لسعة من الزنبور فإذا هو هي ، وطننت زيدا عالما فإذا هو جاهل » في لزوم الرفع في الخبر مجرى « اليوم زيد منطلق ، وغدا عمرو خارج » كما جرى « خرجت فإذا زيد قائم ، وقائما » في جواز الرفع والنصب مجرى « في الدار زيد جالس ، وجالسا » فتأمّل الفرق بينهما وحصّله ، فإنّ النحويين المتقدمين والمتأخرين قد أغفلوا الفرق بين المفاجأتين . وأمّا نصب الخبر المعرفة بعد إذا ، تمّ الكلام أو لم يتمّ ، فباطل لا تقوله العرب ، ولا يجيزه إلّا الكوفيون . وإن كان سيبويه ، رحمة اللّه تعالى ، أجاب بقوله « فإذا هو إياها » كما روى بعضهم فظاهر جوابه مدخول ؛ لما قدمت ، والخطأ فيه بيّن من جهة القياس كما ذكرنا ، فإن كان قاله والتزمه دون الرفع فقد أخطأ خطأ لا مخرج له منه ، وإن كان قد قاله وهو يرى أن الرفع أولى وأحقّ ، إلّا أنه آثر النصب للإعراب حملا على المعنى الخفي ، دون ما يوجبه القياس واللفظ الجلي ، فلجوابه عندي وجهان حسنان : أحدهما : أن يكون الضمير المنصوب وهو « إياها » كناية عن اللسعة ، لا عن العقرب ، والضمير المرفوع كناية عن الزنبور ، فكأنه قال « ظننت أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا